انواكشوط,  22/11/2010
السيد حمدا ولد التاه من الجيل الذي وضع اللبنات الأولى لموريتانيا اليوم.
دخل من باب التعليم ليسهم خلال خمسين سنة في بناء جيل الغد وتكوينه، ثم أصبح عضوا في الحكومات الأولى التي أسست الدولة من لا شيء لتبدأ معركة النهوض والبناء. وخاض معركة التشييد كذلك من باب الدبلوماسية حيث عمل كسفير وساهم في تحسين صورة البلد ومعركة الاعتراف.
فى سياق المقابلة التالية يروي السيد حمدا ولد التاه القصة من بدايتها ويستخلص منها الدروس والعبر.

"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم والحمد الله رب العالمين.
لاشك أن الذكرى الخمسين تشرِّف الموريتانيين كلهم وتعيد لهم الذاكرة من جديد لما مضى من تاريخهم ولما تحقق وما تناقص، كما تفتح أفقا آخر. ومن هنا فإني سأمر مرور الكرام على مجموعة من المراحل، منها ما عشته ومنها ما سمعته..
أولا ما قبل الاستعمار، موريتانيا القديمة، ثانيا موريتانيا في عهد الاستعمار الفرنسي، ثم موريتانيا في عهد المختار ولد داداه فترة الاستقلال وبعد ذلك الفترة الاستثنائية، عهد الانقلابات.. وأخيرا الآفاق.
واسمحوا لي هنا أن استخدم لغة وسطى ليفهم الجميع.
موريتانيا ما قبل الاستعمار كانت مجموعة مما نسميه محليا بـ (لمحاصر والفركان) المتنقلة، وكانت فيها أماكن حضرية في شنقيط وولاته وتشيت، إلا أن السائد هو الروح البدوية المتنقلة.
لكن هذه الروح البدوية تتميز بميزات لا توجد في العالم الآخر.. عادة البادية تصاحبها الأمية والجهل، والمدينة يصاحبها العلم والنور، أما في موريتانيا فكان العكس صحيحا، كانت البداوة الموريتانية بداوة مثقفة ومتحضرة حيث كانت الخيام والأكواخ مجموعة من المكتبات النادرة ومجموعة من العلماء الكبار الذي ألفوا عددا من الفنون وضربوا الآفاق غربا وشرقا، وأصبحوا مرجعية معرفية في العالم الإسلامي والعربي، هذه هي موريتانيا ما قبل الاستعمار فإذا لم تكن هنالك دولة مركزية فإن العامل الحضاري أعطاها نوعا من النيابة عن المركزية الحضرية، ومعناها أن ارتباط العلماء فيما بينهم من ولاته إلى آدرار إلى اترارزة إلى الجنوب إلى النهر كان وثيقا وموحدا يصدر عن فتوى واحدة تنطلق من المذهب المالكي من العقيدة الأشعرية من الطريقة الجنيدية فى مختلف أبعادها الصوفية.
ومن هنا نشأت شبكات نابت عن قيام الدولة المركزية وأصدر المجتمع عبارة دستورية عظيمة جدا في هذا الوقت وهي ما قاله "القاضي ماضي" معناها فى ذلك الوقت الذي لم يكن فيه دركي ولا شرطي ولا سلطة تحمى القاضي أو تعينه كان حكم القاضي قوي جدا، فمثلا إذا حكم ولد احمد زيدان فى العصابه انتهى الموضوع.
كانت موريتانيا القديمة متماسكة رغم أنها لم تكن فيها مركزية حاكمة ولكن كانت فيها مركزية حضرية، فإذا لم تكن موريتانيا فى هذه الفترة دولة فإنها تميزت بمميزات الدولة العظيمة.
عندما طلب ملك السويد من الخلافة العثمانية المشاركة فى مؤتمر السويد الكبير الذي حضرته مختلف دول اوروبا اختير لها رجل موريتاني هل اختير لقوة الدولة لا، هل اختير لعوامل اقتصادية؟ لا، إنما اختير لمعرفة الشناقطة للعلم.
هو ولد اتلاميد الذي حضر فى البلاط السويدي وألقى فيه رائيته المشهورة المفخرة الكبيرة.. كما أن علماء آخرين أمثال أولاد ميابه ضربوا آفاق المشرق والعلماء العلويين ضربوا آفاق المغرب العربي وتكونت أبعاد دبلوماسية وهو ما اسميه الدبلوماسية غير المصنفة التي قامت عليها ثقة العالم بموريتانيا وأصبحوا يقولون الشناقطة، وإذا قالوا الشناقطة تمتلئ أفواههم.
وأذكر أن ملك السعودية كان يوصي بالشناقطة، بأن لا تأتي الشرطة إلى منازلهم ولا يعتقلون لأنهم بريئون مسبقا وأنهم ناس طيبون، هذا فيما يتعلق بموريتانيا القديمة.


فجأة جاء المستعمر ولم يرض الموريتانيون به فقامت أنماط من المواجهة، المواجهة الثقافية وتمثلت في فتاوى المقاطعة للمستعمر الفرنسي، وفي هجران المدرسة الغربية الفرنسية، وفي تركيز المحظرة ومواجهتها للمدرسة الغربية الفرنسية.
وتمثلت كذلك في أن الكثير من القبائل هاجرت إلى المشرق هربا من المستعمر.. وبهذه الطريقة وقعت أنماط من المواجهة الثقافية إلى جانب هذه المواجهة الثقافية البشرية العلمية. كما وقعت المواجهة العسكرية حيث وقف أبطال عظام فى الميدان وأطلقوا الرصاص.
وأذكر أن محمد لحبيب أمير اترارزة دخل فى مواجهة مع "فديرب" وقاتله وهزمه وهذا طبيعي جدا، رجل من البادية ليست لديه الأدوات التي لدى الغرب غير أنه له الفخر فى قيامه بمواجهة المستعمر.
على امتداد موريتانيا فى الشمال وفى الجنوب قامت مختلف الإمارات ومختلف المجموعات بالمواجهة العسكرية ضد المستعمر رافضين الاستعمار، فمثلا ولد عبدوك فى الشرق وبكار ولد اسويد احمد، واحمد الديد ولد احمد ولد أحمد عيده حتى إخوتنا الأفارقة فى النهر شاركوا في هذه المقاومة، وأذكر هنا أن الغرب وجه حملة كبيرة ضد مكتبات "سرقله" وأحرقها وكانت من أعظم المكتبات الإسلامية، إذن كانت هنالك حملات قام بها (تكارير سرقله والولوف) مع إخوتهم البيظان واشتركوا فى هذا العمل الميداني.
وكما قلت، فقد شارك كل الموريتانيين فى الحملة ضد المستعمر الثقافية والمسلحة والاجتماعية عن طريق الهجرات البشرية التى شاركت فيها مجموعة من القبائل بعضهم توجه إلى تركيا حتى الآن مازال بعضهم هناك، وبعضهم توجه إلى السعودية وهذا كله عبارة عن المقاومة البشرية والهروب من المستعمر.
كما قاوم المجتمع الموريتاني عن طريق الفتاوى والعلم ومقاطعة المدرسة الغربية.
ولدي ملاحظة مهمة آمل أن تنتبه لها الدولة هي أن الأماكن التي جرت فيها معارك، فإن النصارى الذين قتلوا فيها وضعت لهم أعلام ومكتوب عليها قصتهم، في حين أن أبطال المقاومة - ونحن متأكدون أنهم على الحق- مغمورون ولا يعرف أحد قصتهم.
واقترح أن كل معركة وقعت فى بقعة من التراب الوطني يوضع عليها نصب تكتب عليها أسماء الأبطال والقادة الذين قادوا المعركة ونتائجها وتاريخها من أجل أن تكون لدينا خريطة تاريخية للمعارك التي وقعت على امتداد التراب الوطني.
فى فترة لاحقة سيطر المستعمر وتغلب علينا وهذا أمر طبيعي، ولكن كانت المقاومة قوية، وأذكر أن المستعمر لم يكن يقصدنا بل كان يسعى لأن نكون جسرا بين أفريقيا والعالم العربي، لأنه كان يسعى لتأمين منطقة المرور عبر الصحراء الكبرى، ولذلك احتاج إلى موريتانيا ولذلك لم يتركوا أي شيء، لم يتركوا أية منشآت، ذهبوا كما جاؤوا.
وقد كانت للاستعمار نتيجة واحدة أنه استطاع تكوين الوحدة الوطنية لأني أشك أن الأمراء لو بقوا وحدهم فإن أيا منهم لن يقبل أن يكون تحت لواء الآخر ونفس الشيء بالنسبة للقبائل والمجموعات.
ولذلك فالاستعمار، رغم سلبيته، صهر البلد فى كيان واحد وهذه قيمة ايجابية هي أحسن ما تركه المستعمر، وترك لنا اسما واسمحوا لي أن أقول إن المستعمر بحث فى متاحف التاريخ للأسماء الملتصقة بالحضارة الرومانية بلاد السمر لم يختر لنا بلاد شنقيط أو صحراء الملثمين، ولم نكن وحدنا مصر أطلق عليها "ايجيبت" وأطلق على سوريا هذا الاسم "الأشوريين".
إذن تغلب المستعمر وبدل الأرض غير الأرض والإدارة غير الإدارة والتعليم غير التعليم والمحظرة نافستها المدرسة وحلت محلها، والقضاء حل محله قضاء علماني وكانت عاصمتنا فى سينلوي وكنا مرتبطين بالسنغال ونِعم الارتباط لأن السنغال أخ عزيز وكان يضيفنا الضيافة الكريمة ولكنه ليس مكاننا.

وبعد ذلك تم اختيار انواكشوط لتكون عاصمة للبلاد وبهذا ادخل في عهد المختار ولد داداه والاستقلال الذي عايشته.
كانت الأمور بسيطة فى هذا العهد، وكانت أحسن ما لدينا من وسائل التنقل سيارة "ديشفو"، وكانت مساكن الحكومة والرئيس بسيطة جدا، هناك المدرسة رقم 8 و"العنكار" الكبير كان مقرا للبرلمان، كان هذا بسيطا ولكن كان عظيما.
وفجأة تمكن الرجل (المختار ولد داداه) من أن ينال إعجاب العالم.
لقد شاركت فى حكومة المختار ولد داداه كوزير فى فترة ومدير فى فترة وسفير فى فترة أخرى، أي أنى عشت التجربة كلها.
وأذكر أنى حين كنت أقدم بيانا كان علي أن أقدم فيه الانعكاسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الفنية أي أن كل مقرر يجب أن نعرف انعكاساته المختلفة وهذه مدرسة كانت صعبة جدا ولا ينجح فيها إلا الأذكياء والرجل (المختار ولد داداه) كان يستمع بدقة لمختلف الآراء.
وأتذكر أننا كنا نجتمع من الساعة التاسعة صباحا وننتهي بعد منتصف الليل لطول المناقشة، ولأنها كانت موضوعية وكل يدلي برأيه بكل حرية من غير مصادرة.
ولكنه كان ذكيا إذا أراد الموافقة على قرار يقدم مقترحاته بعد أن نكون قد تعبنا وهذا كله من ذكاء الرجل.
وأذكر أن تلك الفترة كانت متسمة بنزاهة مالية كبيرة جدا، فعندما انتهيت من الوزارة كان التقرير الذي سلمت فيه الوزارة يتضمن الكؤوس والمناديل والكراسي التي كانت عندي كوزير وكان التقرير موقعا من طرف مفتش الدولة.
وأتذكر أننا نقدم مبررات صرف بدل السفر ويتم إرجاع ما لم يصرف حتى الأوراق الباقية من تذاكر السفر وخاصة الكوبون المساعد على النقل يتم إرجاعه.
وأتذكر أنه عندما كنت مديرا للشؤون الإسلامية فاضت عن ميزانيتي مليون وزيادة وعندما أعلمت الرئاسة طلبوا مني شراء سيارات لإدارة الشؤون الإسلامية وكانت أول مرحلة تجد فيها هذه الإدارات وسائل نقل جيدة.
معنى أنه كانت هناك صرامة في الصرف ونوع من الحكمة ودقة في المعاملات.

سنة 1973 كانت قمة النمو والاستقلال في موريتانيا
واسمحوا لي أن أقول أن فرنسا إذا كانت اختارت المختار ولد داداه ليفعل لها ما يريد فقد اختار نفسه ليعمل ما يريد، بمعنى إذا تصوروا أنهم اختاروه ليقوم لهم بمهمتهم فإنه قام بمهمة موريتانيا فى هذا المجال، وحين فطنوا لذلك بدأت الأمور تسير عكس التيار.
لقد فطنوا لتوجههه عندما انضمت موريتانيا إلى الجامعة العربية ومنحوه الدكتورا الشرفيه، وعندما أمم شركة "ميفرما" قالوا ليس هذا الرجل الذي نبحث عنه وعلينا البدء فى الإطاحة به.
بدأت قضية الصحراء والجنوب (افلام) وأشعلوا النار من كل جهة.
ومن عادة المستعمر أن يختار من يعمل له فإن لم يقم بذلك وضع له المكايد ليسقطه بذلك.
وقد كانت الحرب حتمية لأن الموريتانيين ضربوا فى عقر دارهم.
وأتذكر أننا كنا فى اجتماع مجلس الوزراء الساعة التاسعة وسقطت صواريخ على السيارات التي أمامنا ولو انحدرت قليلا لقضت علينا جميعا، لكن الله تعالى نجانا ونجى البلد ونجينا باعجوبة وكانت ليلة سوداء في تاريخ البلد. وقيل إنه لم يكن في البلاد كلها سوى مدفع واحد.
وتواصلت الأمور حتى قام الجيش بالانقلاب وبدأت المرحلة الاستثنائية وتتالت فترات، واسمحوا لي أن أقول إن كل رئيس موريتاني وضع لبنة.
لقد وضع المختار لبنة الشرف الموريتاني والوجود الموريتاني.. ويجسد هذا القصة الشهيرة حيث كنا إحدى المرات فى قمة عربية وكانوا يوزعون بعض المعونات التي تقدم للدول الضعيفة وكنا من ضمن هذه الدول مع الصومال وجيبوتى، فقال المختار كلمته المشهورة أثناء اجتماع الزعماء العرب وهم يريدون تقسيم هذه المعونات قال: "لقد وصلتني برقية تفيد بأن بلادنا تساقطت عليها الأمطار ونحن حين تأتينا الأمطار لم نعد نحتاج إلى شيء".
فى هذه الليلة كان صدام حسين حاضرا وفهم العبارة حيث اعجب بهذه الشهامة وسمو النفس فزار المختار وأكد له أنه فى خدمته لا لشيء إلا لهذه الكلمة..
وأذكر في هذا السياق أن المختار ولد داداه قرر زيارة الصين وحين علمت السفارة الموريتانية أن الصين قررت أن لا تقدم أي شيء لموريتانيا اعلمت المختار بذلك ولكن المختار حين التقى بالقيادات الصينية أكد لهم أنه لم يزر الصين بحثا عن دعم وإنما ليشكر الحكومة الصينية على ما قدموه فى الماضي وليس لديه أي طلب وانفضت الجلسة وأدركت الصين أنها وقعت فى أزمة يأتيها رئيس ويذهب دون أي شيء.
طلبت الصين اجتماعا آخر وأعلنت خلاله عن تمويل أعظم انجاز فى موريتانيا "ميناء الصداقة" وكان هذا ثمرة لديبلوماسية ذكية جدا ودليلا على عظمة موريتانية ترتفع عن المسائل البسيطة.
وأتذكر أن الرجل كان عظيما ولا شك أنكم قرأتم مذكراته.. ومن عظمته أنه كان وسيطا بين جمال عبد الناصر وشوينلاي الزعيم الصيني أحدهما من أكبر قوة فى الشرق والآخر من أكبر قوة فى العالم العربي.
لقد امتص المختار القبلية فى زمنه بدقة وبدأت الناس تتنازل عن المفاهيم السلبية للقبلية مع أن للقبلية بعد اجتماعي ضروري هو التكافل والتضامن وحفظ التراث، ولكن لها سلبيات والمختار امتصها بذكاء حيث بنى دولته على قيم وأخلاق وعلى رجال محترمين.
هذا الدرس مهم جدا يبقى فى ذاكرة الموريتانيين تقديرا لهذا الرجل والاستفادة منه لبناء موريتانيا المستقبل لنتعلم منه كذلك كيف نعالج القضايا.
نعطي نموذج آخر لذكاء الرجل وعظمته هو أن موريتانيا فى مرحلة من المراحل كان ينظر إليها كدولة عربية من نمط اريتيريا والصومال وجيبوتى ويتجاهلوا موريتانيا العالمة المثقفة.
من أجل مواجهة هذا الأمر اختار بعثة من ضمنها محمد سالم ولد عدود رحمه الله وأنا ومعنا آخرون إضافة إلى وزراء من بينهم المرحوم حمدي ولد مكناس وتوجهنا إلى الخليج العربي وكانت مهمتنا إلقاء محاضرات تعريفية عن المكانة العلمية لموريتانيا.
واسمحوا لي أن أقول إننا عدنا من هذه الرحلة والجيوب ممتلئة والتمويلات مفتوحة وموريتانيا محل ثقة ودول الخليج تضع امكانياتها تحت تصرفنا وقد تغيرت نظرتهم تماما وهذا يعود إلى الديبلوماسية غير المصنفة.
واسمحوا لي أن أقول إن ديبلوماسية موريتانيا كانت هي وزارة الاقتصاد، فبقدر ثقة الآخرين بقدر ما نجد من المال وبالمقابل بقدر ما نفقد الثقة نفقد المال عند الآخرين.
ولذلك من الضروري أن تكون هذه القيمة الثقافية المتمثلة فى المحظرة هي التى يعاد لها الاعتبار.

موريتانيا تحتاج إلى كل شيء يمكن استجلابه من الخارج إلا الإسلام
إسلامنا ومعرفتنا فوق الطاقة التي نحتاج إليها، كيف يقبل من إنسان موريتاني أن يأخذ الدكتورا في العلوم الإسلامية من بلد شرقي أو غربي. لماذا لا تكون لدينا جامعة إسلامية؟.
من الضروري استيراد التكنولوجيا من الخارج ولكن استيراد الشريعة الإسلامية لا.. العلوم الإسلامية يجب أن يكون مصدرها بلادنا وهذا يضمن الاستقرار النفسي ويضمن لنا الرجوع إلى روحنا الحقيقية ويضمن عدم استيراد الحلول المعلبة الإسلامية الموجودة لدى الآخرين.. نعم للشيعة فى بلدهم.. ونعم للسلفية فى بلدهم، ولكن لا لهما فى بلادنا موريتانيا بلد سني له معتقداته الخاصة به ونظرته للتصوف الخاصة به ونظرته للفقه الخاصة به ولكنه لا يقبل أن يستورد نماذج جاهزة معلبة.
على الدولة أن تكون واضحة فى مجال النظرة الإسلامية، فى نمط الإسلام المعتدل القائم على مذهب مالك والعقيدة الأشعرية والطريقة الجنيدية مع الانفتاح على مختلف المذاهب الأخرى والاستفادة منهم ولكن أن نأخذ الإسلام من الآخرين فلا.
لا شك أن الذين قاموا بالانقلاب قدموا حلا هو توقيف الحرب، فالحرب لا تبقي ولا تذر.
وجاءت اللبنة التي قدمتها المجموعة التي قامت بالانقلاب، حيث أوقفت نزيف الحرب ووقفت تمويل مشروع صعب.
لكن اسمحوا لي أن أسجل بتقدير موقف الرئيس محمد خونا ولد هيدالة من الشريعة الإسلامية، لأن قرار تطبيق الشريعة الاسلامية وإن كان فيه ارتجال فى ذلك الوقت ومن الصعب تطبيقه كما ينبغي وأن الغرب وقف ضده، لكنه كان قرارا شجاعا.
وأريد هنا أن أروي كيف تم تطبيق الشريعة آنذاك، كنت مديرا للشؤون الإسلامية وكان معي المرحوم احمد عبد الله أمين الشؤون الإسلامية وكان عندنا ضيف هو الشيخ عبد العزيز سي رئيس الطائفة التيجانية فى تيتاون، وكنا فى وداعه وجاء إلى الرئيس (محمد خونا) لوداعه وطلب منا أن نعود إليه بعد مغادرة الضيف.
ورجعنا إليه فقال لنا عليكم إعداد قرار تطبيق الشريعة الإسلامية.
ولقد أعطاها لمن يتقنها احمد عبد الله رفقتى وخرجنا فرحين وتوجهنا إلى مكاتبنا لوضع الاستراتيجية التي سيتم إتباعها من طرف اللجنة التى ستشرف عليه وخلال أربعة اشهر تم كل شيء ومراجعة الأمور كلها.
وأذكر أن السؤال الكبير الذي طرحنا فى اللجنة التي ضمت كبار العلماء، هل نقوم بأسلمة القانون أو نقنن الإسلام واخترنا أن نقوم بأسلمة القانون أي ندخل على القانون تعديلات.
وأتذكر أننا قلنا إن قرارا صنعه رجل قد يزول بزوال ذلك الرجل ولذلك قررنا أسلمة القانون وأخذنا المراجع القانونية التي كان يترجمها لنا سيدي ولد التاه.
وكنا إذا مررنا بمادة مخالفة للإسلام نضع تحتها خطا ونبدلها حالا وإذا كان هناك نقص نعمل على سده حتى تكاملت عندنا النصوص كاملة، المدنية، الجنائية، قانون المرافعات والالتزامات.
وادخلنا مادتين هما أذكى المواد التى يمكن إدخالها، المادة الضامنة هي (كل ما لم يرد فى هذه القوانين يرجع فيه للشريعة الإسلامية). إذن لم يعد هناك فراغ قانوني. أصبحت النصوص تغطى الوقائع كاملة.
المادة الضامنة الثانية (كل لفظ ورد فى هذه القوانين او النصوص يرجع فى تفسيره للمدلول الإسلامي) ومعنى ذلك انتفاء المدلول الغربي اللغوي العرفي وانتفت لعبة الكلمات.
وهنا رفعنا الغموض او الشك فى العبارات والتلاعب بالكلمات الذي يستخدمه المحامون ويحولون الدلالات اللغوية.. واذكر ان المصطلحات هي أخطر ما يتعامل معها المثقف والإداري ويجب أن نكون حذرين أمام المصطلحات.
ومن هنا اقترح أن يقوم المشرعون بإعداد مقدمة قبل كل نص يأخذ فيه المصطلحات ويعطوها تعريفا واضحا وينتهى الغموض.
وخلال أربعة أشهر اكملنا النصوص المتعلقة بتلك التجربة العظيمة.
ولقد انتجت توجها إسلاميا لكنها لم تدم لأنها حوصرت من طرف الغرب.
وأتذكر أنى كنت سفيرا منتدبا لدى العالم العربي وجاءتنا أكثر من 70 رسالة من الدول الأجنبية تحتج على تطبيق الشريعة الإسلامية واضطررنا لتوقيفها.
هذه التجربة تشكر وهنا من ينتقدها ولكن لا أنسى سرعة اتخاذ القرار والحرص عليه وترك لنا الأمر للقيام بما هو مطلوب.
وأذكر أن هذه التجربة التي هي توجه إسلامي داخل الدولة الموريتانية أخذ ينمو مع الأحزاب ومع الرؤساء حتى أصبحت كل بلدية وكل حزب وكل مجموعة تضع فى ديباجتها الاتجاه الإسلامي.
ولم يعد أحد يستطيع القيام بأي شيء دون وضع هذه العبارة.
وأتمنى للمسيرة المقبلة لموريتانيا الحديثة أن تأخذ فى الاعتبار هذه الملاحظات تأخذ أقدم ما يكون من الشريعة الإسلامية وأحدث ما يكون من التكنولوجيا.

آخر تحديث : 22/11/2010 09:48:00

الشعب

آخر عدد : 11593

العملات

15/11/2018 10:39
الشراءالبيع
الدولار36.3736.73
اليورو41.0041.41

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي