نواكشوط,  11/11/2010
مارس التجارة فيما وراء النهر وتحديدا بالجارة السينغال.. نقل نشاطه التجاري إلى موريتانيا سنوات قليلة بعيد حصول البلاد على استقلالها.. دفعه طموحه إلى توسيع دائرة الاستفادة من التجارة ليجد نفسه هذه المرة على موعد مع شقيقتها الصناعة .
قلة السكان وضعف البنى العمرانية بنواكشوط وانعدام ميناء بالمدينة، عوامل، ضمن أخرى، مثلت أبرز التحديات التي واجهها الرجل وهو يضع أولى خطواته على طريق التصنيع ليستطيع لاحقا بواسطة مادة الصابون المنتجة في أول مصنع بنواكشوط أن يغسل من ذهنية الموريتانيين كلمة المستحيل.
حاورناه حول بدايات صعبة شكلت نهايات مريحة اختزلت فى أبعادها نصف قرن من الإرادة وتحدي المستحيل والرد على المثبطين بأن "الصحراء قابلة لئن تحتضن مصنعا للصابون وإن عجزت عن ذلك كبريات مدن العالم".

سؤال: باعتباركم من أوائل الموردين الذين حاولوا تموين السوق الوطنية بالمواد الاستهلاكية في السنوات الأولى بعد الاستقلال، ماهي أهم الصعاب التي واجهتكم يومها وكيف استطعتم المضي في هدفكم بالنظر إلى ندرة المتاجر في هذه الفترة؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: بسم الله الرحيم الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. كنا قبل سنوات الاستقلال نمارس نشاطنا التجاري في دولة السنغال المجاورة، وبعد استقلال بلادنا انتقلنا إليها وإلى نواكشوط تحديدا في الوقت الذي كان فيه كافة التجار الموريتانيين أو أغلبهم يتمركزون في مدينة روصو التي كانت تشكل يومها العاصمة التجارية للبلاد.
أولى خطوات النجاح
ولما قررت الانتقال إلى موريتانيا ووصلت إلى نواكشوط سنة 1969 وجدت وضعية البلاد التجارية دون المستوى وخصوصا من حيث المستوردين والمستهلكين، ومع ذلك اتخذت مكانا تجاريا بالعاصمة وبدأت استيراد البضاعة من الخارج بالرغم من ضعف سعرها نتيجة قلة سكان العاصمة وكون سكان النواحي بها يتعاملون بتجارة التقسيط.
وبعد فترة، وبفعل الطموح، وجدت أن مردودية العمل التجاري على هذا النحو ضعيفة ففكرت في الصناعة، وهنا عدت إلى دكار حيث تتواجد مجموعة من الشركات الصناعية التي سبق وان ارتبطت معها بعلاقات عمل، وهناك اطلعت على طبيعة النشاط الصناعي وجمعت معلومات هامة قبل أن اذهب إلى باريس لدخول عالم الصناعة.
سؤال: على ذكر التصنيع كنتم أول من أسس مصنعا للصابون في موريتانيا كتجربة ناجحة اعتبرت الأولى من نوعها وبواسطتها استطعتم تموين أسواق موريتانيا والسنغال ومالي بهذه المادة الضرورية، ماذا عن هذه التجربة؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: فى هذا الجانب، وكما ذكرت آنفا، قمت بدراسة المشروع واعتمدت على الخبرة الميدانية للمتخصصين قبل أن أتوجه إلى باريس حيث استطعت بمساعدة أحد الفرنسيين المتخصصين الحصول على عرض لإقامة مصنع من أجود مصانع مادة الصابون يومها وعدت إلى موريتانيا للتحضير للانطلاقة، وعند عودتى اتصلت بأحد الأصدقاء ربطتنى وإياه علاقات تجارية سابقة وهو السيد محمد احمد ولد حمود تغمده الله بواسع رحمته وأقمنا شراكة فى المصنع وكنت قد أكملت كافة الإجراءات ولم يبق إلا استيراد المصنع المذكور والعمل فيه.
وعندها تقدمنا إلى المؤسسات المصرفية فى موريتانيا وكانت يومها تنحصر فى بنكي (BEAO) و(BIMA) حيث تعاملنا معهما فى شراء المصنع وتمت العملية وعندها اكتبنا مجموعة من الفنيين من خريجي الثانوية الفنية وكان عددهم 7 أشخاص وقمنا بتكوينهم فى باريس على طريقة تشغيل المصنع، وبعد ذلك تم تركيب المصنع فى موريتانيا من قبل فنيين فرنسيين وبقي معنا أحدهم للإشراف على الفنيين الوطنيين لفترة ضمانا لحسن سير المصنع.
ولما كان هذا المصنع من أكبر المصانع بحيث ينتج يوميا 80 طنا فى الوقت الذى كان فيه استهلاك البلاد ضعيفا جدا نتيجة ضعف وقلة تعداد السكان وكون الطرق غير معبدة مما أسفر عن ركود فى المادة المنتجة، قمنا بفتح ممثليات لنا فى ولايات الوطن فى أطار وكيفة وروصو وكيهيدى وسيليبابي ونواذيبو يتم تزويدها بالصابون، واستطعنا بذلك أن نقضي على حالة الكساد التى عرفها الصابون وأصبح سكان المناطق المحاذية لمالي والسنغال أكبر المستهلكين بفعل التسهيلات التى كنا نقدمها لهم وهنا نجح المصنع.
صعوبات وتحديات
سؤال: فعلا لازال هذا المصنع يعمل حتى اليوم، وهنا نعود إلى فترة تأسيسه قبل أزيد من أربعة عقود من الزمن لنتساءل عن المشاكل والصعوبات التي واجهتكم يومها وما هي نصيحتكم للمبتدئين فى القطاع وللمستثمرين الأجانب الراغبين فى ولوجه؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: كما تفضلتم واجهتنا صعوبات جمة ونحن نخطو خطواتنا الأولى لإقامة هذا المصنع. وكان من الوارد أن تمثل قلة السكان وضعف استخدامهم لمادة الصابون أداة لصرفنا عن المشروع.
وبما أن غايتنا ليست مقتصرة على الربح فقط، فقد كنا نراهن على مستقبل البلد وما سيوفره المصنع من مردودية على خزينة الدولة، وما يقدمه من اسهام في تشغيل اليد العاملة التى وصلت يومها إلى 60 عاملا. وهنا استفاد المصنع من تسهيلات الدولة التى تعهدت بحمايتنا وتوفير العملة الصعبة لنا فى الوقت الذى كان فيه البنك المركزي عاجزا عن توفيرها وكان يقتصر تزويده بالعملة الصعبة على شخص أو اثنين فى كل ولاية يستخدمونها لاستيراد مواد مغايرة.
وكما أشرتم فقد عانيت وأنا أطلق هذا المصنع من تثبيط العزيمة، حيث كان المثبطون يقولون إن إنشاء مصنع للصابون استعصى على الأوربيين وأصحاب الخبرات والوسائل فكيف تمكن إقامته فى صحراء مثل موريتانيا نظرا إلى أنه لا توجد بها أية إمكانيات ولا يوجد بها ميناء بل كان فيها مرفأ أو مرسي ترسو فيه السفن على مسافة بعيدة ويتم إفراغ حمولتها عبر قوارب صغيرة إلى غير ذلك من الصعوبات.
ومع ذلك لم تضعف هذه العراقيل من عزيمتنا بل تابعنا وصبرنا حتى حققنا النجاح المراد الذى أردنا من خلاله ان ندفع الآخرين إلى التوجه نحو الصناعة. وهذه فرصة لأحث رجال الأعمال على التوجه نحو الصناعة فى هذا البلد الواعد المستقر والآمن والذي يشكل قبلة للجميع.
وأقول إن الصناعة من أفضل المجالات لأن مردوديتها تعم الجميع: الخزينة العامة، المصنع نفسه، المواطنين... والتجارة هامة بالفعل لكن الصناعة أهم باعتبارها المستقبل الواعد لموريتانيا التى تحظى اليوم والحمد لله باهتمام كبير.
سؤال: لا شك أنكم لاحظتم من خلال أعمالكم في السنغال ومالي أن علاقات موريتانيا مع محيطها علاقات طيبة ووطيدة لدرجة أن كل بلد من هذه البلدان يعتبر الآخر عمقه الاستراتيجي، هل من كلمة في الموضوع؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: هذا صحيح، علاقات موريتانيا وجيرانها علاقات قديمة وثابته ووطيدة وتبرز على أكثر من صعيد وتجد أساسها في وحدة الدين والتاريخ والتراث والمصير المشترك والجوار وهو ما تنبغي المحافظة عليه وتعزيزه لخدمة الشعوب.
واعتقد أن الفرصة مواتية اليوم أكثر من أي وقت مضى لتدعيم هذه العلاقات والرقي بها الى مستوى طموح الشعوب والحكومات.
سؤال: بالعودة إلى الحديث عن الصناعة بوصفها محرك التنمية في كل بلد، وانتم شخصيا بدأتم تجربتكم في موريتانيا كبلد ناشئ ومستواه التنموي متواضع، هل كانت الدولة الموريتانية يومها مدركة لأهمية الصناعة وهل شجعتكم على ذلك؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: مما لا شك فيه أن الدولة شجعتنا على هذه التجربة لكن الظروف يومها كانت من الصعوبة بمكان لدرجة تجعل الدولة أحيانا عاجزة عن المساعدة ومع ذلك فقد حصلنا على تشجيعها حسب الممكن.
وكما سبق وأن قلت فإن الإقدام على إنشاء مصنع بمدينة لا يوجد بها ميناء يعتبر ضربا من العبث، وأبسط دليل على ذلك أن البواخر عندما تصل إلى مرفأ نواكشوط ولا يتم إفراغ حمولتها فى الوقت المحدد تحمل المورد مصاريف باهظة تتجاوز أحيانا هامش الربح المعول عليه وعلى هذا المثال تقاس باقي الصعوبات.
سؤال: بودنا لو ربطنا حديثنا هذا مع وضعية البلاد يومها لنتساءل عن الناحية العمرانية فهل كانت نواكشوط تتوفر على بنية عمرانية لائقة؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: الجواب طبعا لا، لم تكن لنواكشوط بنية عمرانية مقبولة، بل إن كل ما كان موجودا يومها مجرد بنايات متناثرة إضافة إلى مباني الحكومة مما يؤكد أنها مدينة ناشئة فى مختلف المجالات سواء من حيث البنية التحتية أوالحركة أو السكان ...
سؤال: يصف البعض مناخ الاستثمار في موريتانيا بكونه مشجعا، فيما يبدى البعض الآخر ملاحظات على هذا التوصيف لدرجة وصفه بالفوضوي وخصوصا في مجال الاستيراد مما قد يؤثر على الصناعة المحلية، ويقدم صنف ثالث ملاحظات متعلقة بالجمركة وصعوبة التعامل معها، أين انتم من هذه الآراء؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: بصورة عامة لا خلاف فى أن الأمور ليست على ما يرام، بل إن هناك فوضى قديمة وهذا غير منطقي وبالتالي ينبغي على وزارة الصناعة أن تضع ضوابط تنظيمية لكل القطاعات على عكس ما هو موجود لدينا الأمر الذي يتطلب دراسة المشاريع الصناعية المقدمة انطلاقا من عامل التعداد السكاني وحاجة البلاد الى المادة المصنعة قبل منح الترخيص لهذا المصنع أو ذاك للحيلولة دون ميوعة الصناعة.
وهنا أؤكد على أن هذه الفوضوية أدت إلى تراجع الكثيرين عن ولوج قطاع الصناعة، وأنا شخصيا أعرف الكثير من هؤلاء، هذا بالإضافة إلى كون أغلب الفاعلين الاقتصاديين الموريتانيين يميلون دوما الى التقليد حيث يتعاملون مع مادة واحدة لمجرد أنها شكلت رواجا تجاريا.
وإذا أردت أن أعطيك مثالا على ذلك فإننا اليوم مدفوعون بفعل هذه الفوضى إلى تسويق أكبر كمية من الصابون المنتج في مصنعنا، الذي يشغل 80 شخصا، خارج الوطن وتحديدا في دولتي مالى والسينغال وذلك نتيجة وجود الصابون المستورد فى سوقنا المحلي وهذا ما يضعف الصناعة المحلية الباهظة التكاليف والتي تمثل قوة هامة فى النسيج الاقتصادي للبلاد ومشغلا رئيسيا لليد العاملة.
وبالتالي هل من المعقول - مثلا - أن يسمح باستيراد حاوية أو اثنتين من الصابون فى بلد يتوفر على مصنع للصابون بمئات الملايين ويساهم فى الدورة الاقتصادية للبلد.
وبما أن هذا فى حد ذاته يشكل حجر عثرة امام الصناعة الوطنية اسمحوا لى هنا أن أؤكد على أهمية الحد من المصانع ومراعاة الضوابط وحاجيات البلاد في هذا الصدد ووقف الاستيراد الفوضوي وإخضاعه للضوابط.
سؤال: اتجهت موريتانيا مؤخرا الى الليبرالية، وبما أنكم من رواد مجال الصناعة التى شكلت محركا للاقتصاد الوطني واستقطبت نسبة هامة من اليد العاملة، واعتبارا إلى أن الملكية الصناعية تشكل ضمانة للمنتوج، هل تطمحون إلى تطبيق هذا المبدأ فى موريتانيا، وهل سبق أن ناقشتم الموضوع مع الوزارة الوصية؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: عندما أسسنا المصنع كان هذا المبدأ من ضمن الشروط التى اتفقنا عليها مع الوزارة باعتباره الضامن الأساسي لنجاح المشروع، ومقابل ذلك ألزمنا بتوفير الصابون وبسعر معقول واكتتاب العمالة الموريتانية ووفينا بذلك الالتزام لكن منذ فترة لم يعد هذا الشرط مطبقا.
شهادة جودة عالمية لمصنع الصابون
وكما سبق وأن ذكرت، فقد أقمنا مصنعا يغطي حاجيات البلاد من مادة الصابون مرتين وبرهنا على جودة هذه المادة، ففي سنة 1989 شاركت في مؤتمر عقد بمدريد حضرته أزيد من 100 دولة حيث تم أخذ عينة من كافة منتوجات مصانع الصابون فى العالم وأخذت عينة من منتوجنا الوطني وأخضعت للتحليل وحصلنا بواسطتها على شهادة جودة عالمية وهي أمامكم وشهادة تقديرية من رئيس المؤتمر.
إضافة إلى ذلك، ودائما في مجال البرهنة على جودة المنتوج، زارتنا بعثة من الخبراء من السينغال برفقة رئيس مصنع الصابون هناك وأجروا تحليلات معمقة على منتوجنا وأكدوا على أنه الأجود ضمن عينة الصابون العادي.
والصابون يتكون من عدة مواد من بينها مواد مسببة للأمراض الجلدية ونحن لدينا آلات لتنظيفه من هذه المواد الضارة ونقوم بغسله ثلاث مرات قبل أن نضيف إليه مادة "أسيد كوستيك" وهي مادة لا يمكن التعامل معها هكذا، وبالتالي فقد برهنا على جودة المنتوج والطاقة الاستيعابية للمصنع.
وبما أن السلطات الوصية مطالبة بالمحافظة على هذا المكسب والحيلولة دون إفساده وانطلاقا من انتشار فوضى الاستيراد التي تعمل على منافسة المنتوج الوطني الجيد فإننا لا نملك إلا أن نعبر عن استياءنا من هذه الوضعية ومع ذلك فإنني أطالب رجال الأعمال بالتوجه الى الصناعة التى هي أساس التطور وأدعو الى وقف التلاعب بها.
سؤال: ماذا عن المواد الأولية المستخدمة فى صناعة الصابون وهل من بينها مواد أولية محلية أم أن جميعها مستورد من الخارج؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: نعم من بينها مادة الملح التى يستخدمها المصنع وهي من سباخ موريتانيا.
سؤال: دون أن نقلل من اهتمام الأنظمة التى تعاقبت على حكم البلاد بالشأن الاقتصادي، تلاحظ غالبية المتتبعين اهتماما خاصا للسلطات الحالية بهذا المجال، كيف تنظرون إلى هذا الجانب، وماذا عن الآفاق الاقتصادية في البلد؟
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: بالفعل تبدي السلطات الحالية اهتماما كبيرا بالشأن الاقتصادي وهو ما يدعوني إلى التأكيد على أن المناخ ملائم للاستثمار، لكنى مع ذلك أسجل حاجة البلد إلى التكوين نظرا إلى أن نجاح الصناعة يتوقف على الخبرة.
سؤال: هل من كلمة أخيرة
السيد محمد ولد ابراهيم ولد ديه: أشكركم على العناية التى تولونها للصناعة ولمصالح البلد، وأدعو الجميع إلى الانسجام مع هذا الظرف الذي يبشر بالخير في اتجاه كافة الطبقات، وأدعو مرة أخرى رجال الأعمال إلى التوجه إلى الصناعة، فآفاقها واعدة، وأطلب ممن يعنيهم الأمر أن يتحملوا مسؤوليتهم فى هذا الإطار.

حوار و تعريب: يعقوب ولد القاسم
آخر تحديث : 11/11/2010 08:48:00

الشعب

آخر عدد : 11570

العملات

15/10/2018 09:53
الشراءالبيع
الدولار35.6936.05
اليورو41.3041.71

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي