انواكشوط,  04/11/2010
اليسع ولد أسويد أحمد كان ضمن أول دفعة تخرجت فى مجال القضاء بعد استقلال البلاد.
وقد ساهم من موقعه كقاض فى توطيد أركان الدولة، إذ تولى مع رفاقه أحد أهم أركانها ألا وهو القضاء.
خاض هذا الجيل معركة حقيقية من أجل أن تقوم الدولة على أساس العدالة والقانون.. فى هذه المقابلة يروي لنا اليسع ولد أسويد أحمد هذا النضال:


سؤال: معالي الوزير بعد أسابيع سوف تطل علينا الذكرى الخمسين لعيد الاستقلال الوطني، هل لكم أن تحدثوا المواطن عن مرحلة الاستقلال، وما سبقها من أحداث، وما هو دوركم في تلك المرحلة ودور جيلكم فيها؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

بادئ ذي بدء أتقدم بالشكر إلى مؤسساتنا الإعلامية بجميع مكوناتها على الاهتمام بهذا الحدث وعملها الدؤوب من أجل إبراز تلك الأحداث التي واكبت وسبقت الاستقلال، ونفضها الغبار عن جهود جميع الخيرين الذين ساهموا في تأسيس وبناء دولتنا وتشييدها.
ثانيا، أنا لست من الجيل الأول الذي كانت له مساهمات واضحة في تأسيس الدولة واستقلالها، ولكني أقدر دورهم ونضالهم من أجل بناء هذا الوطن والمحافظة عليه.. لذا سوف اقتصر في حديثي على مجال تخصصي المتمثل في القضاء الذي خدمته وآمنت به وبأهميته ودوره في حياة الدول والمجتمعات كما يؤكد على ذلك ديننا الإسلامي الحنيف..
جاء الاستقلال وأنا ما زلت شابا يافعا، أعمل في حقل التعليم كمراقب في ثانوية لكوارب، وكل ما أذكر عن تلك الفترة أننا كنا حينها متعطشين إلى الاستقلال ومتحمسين له ومتحفزين لقراره، وهذا ما يفسر تفاني جيلنا في خدمة الوطن والتضحية في سبيله، والاستعداد للدفاع عنه، وقد ظهر ذلك في جميع ممارسة ذلك الجيل، حيث تقع خدمة الوطن ضمن سلم الأولويات وتتقدم لدى الجميع على المصلحة الشخصية، الشيء الذي ظهر جليا في مجال التسيير والادارة والقضاء والتعليم وعلى كافة المستويات. وبصورة موجزة كان الإخلاص والتفاني في خدمة هذا البلد السمة المميزة لتلك المرحلة، كل في حقله ومجال اختصاصه.. ولكن بعد فترة، وبسبب ظهور عدم الاستقرار والانقلابات العسكرية دخلت عوامل أخرى أثرت سلبا على العقلية التي كانت سائدة لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة مازالت تداعياتها مستمرة.
كما ساهمت عوامل الجفاف، وعدم الاستقرار السياسي في تغيير العقلية، حيث بدأ الثراء والبحث عن المال يأخذ حيزا مهما من اهتمام الأطر والمثقفين، الأمر الذي فاقم الوضع بصورة كبيرة مع تعاقب الأحكام العسكرية، ولكن الأمور لم تخرج عن نطاق المعقول إلا في السنوات العشرين تقريبا الماضية، حيث تدفقت أموال كثيرة على البلاد وبدأ الأطر في ظل الفساد يبحثون عن المال ويبنون أنفسهم على حساب الدولة والشعب.

سؤال: معالي الوزير، عرف عنكم الصرامة والنزاهة في التسيير، هل لكم أن تحدثونا عن أسباب ودوافع توجهكم إلى مجال القضاء؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

سبق أن قلت لكم في بداية الحديث أنني لم أكن أرغب في القضاء، وإنما هي محض الأقدار التي ساقتني إليه. ثم إن مصلحة البلاد في مرحلة لاحقة هي ما أقنعتني بالدخول إليه والاستمرار فيه بكل جد وإخلاص، وأنا فخور بهذه الصفة التي وصفتموني بها ومعتز بها أشد الاعتزاز، وأنا ما زلت أؤمن بتلك القيم وأدافع عنها، وأعتز بها على الرغم من تنكر البعض لها..

سؤال: معالي الوزير بما أنكم عرفتم على المستوى الوطني من خلال القضاء وشغلتم جميع مناصبه تقريبا، ما هي الصفات التي كان يتحلى بها القاضي في الماضي؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

لقد كان القضاة في المراحل الأولى لنشأة القضاء والدولة بصورة عامة، شأنهم شأن جميع الموظفين، متحمسون ومؤمنون بعملهم وببناء وطنهم، وكانوا أيضا يتمتعون بكفاءات عالية، لذا استطاعوا أن يؤدوا دورهم على أكمل وجه، وأن يخدموا وطنهم بنزاهة وكفاءة عاليتين.. في المرحلة التي ذكرت لكم لم يكن عدد القضاة يتجاوز الـ 15 قاضيا. كان القضاة حينذاك متفرنسون جميعا، وهنا لا يفوتني أن أذكر أن الملفات كانت قليلة وانه نتيجة لقلة الوعي كان التقاضي قليلا بل نادرا، حيث كانت النزاعات تسوى بالأساليب التقليدية. كما أن القضاء في مجمله في تلك الفترة وضعيا وتاريخ القضاء في بلادنا لم يكن له تاريخ كبير في المسائل الاجرائية، فالقاضي التقليدي كان يصدر حكمه والمتقاضين يقومون من تلقاء أنفسهم بتطبيقه دون أية مشاكل، أما ما بعد مرحلة الاستقلال فقد تغيرت الأمور، حيث لم يكن هناك أي وجود للضبطية الأمر الذي استدعى منا إستجلاب كتاب ضبط ومحامون من السنغال، ومع موجة التعريب امتزجت المدارس المختلفة في مجال القضاء.. متفرنسيها ومعربيها، الأمر الذي قادنا إلى الواقع الحالي.. قد يفوتكم أنه لكي يكون حامل شهادة في مجال القانون قاضيا عليه أن يمر بتكوين يؤهله لممارسة القضاء إذ لا يكفي أن تحمل شهادة في مجال القانون لتكون قاضيا.
إذ بإمكانك أن تكون دكتورا في القانون ولكن ذلك لا يؤهلك لأن تكون قاضيا، وهذا ما جعل القضاء على ما هو عليه اليوم..


العدالة شرط لاستمراية الدولة

سؤال: معالي الوزير ما هي مكانة القضاء في بناء الدولة؟
اليسع ولد أسويد أحمد:

من المعلوم أن مكانة القضاء والعدالة معروفة ومهمة وبدونهما لا يمكن أن تستمر ولا أن تستقيم أية دولة، إذ من المؤكد أن السياسة والديمقراطية أمور يمكن أن تبنى على فترات طويلة، دون أن يحدث ضرر كما فعل غيرنا، أما القضاء والعدالة فهي أمور لا يمكن التراخي في تأسيسها لأنه لا يمكن لدولة أن تستمر وتستقيم دون وجود عدالة، ونحن والحمد لله قد وضعنا أسسها يوم كنا مسئولين عن حقلها.
واستبشر خيرا مع التغيير الجديد الذي قام به محمد ولد عبد العزيز، وهذا ليس نفاقا إذ ليس هناك ما أرغب في الحصول عليه.
من المؤكد أن الديمقراطية ستظل ناقصة عند أهل السياسة، وهذه المسألة طبيعية ومازال الوقت كافيا لمعالجة ذلك، أما العدالة فلا يمكن أن يقوم استثمار ولا اقتصاد ولا إدارة ولا أي شيء بدون قيامها واستقامتها..


سؤال: خلال حديثكم معنا قبل بدء المقابلة ذكرتم حادثة محاكمة لعيون، وما تسببت فيه من إحباط وخيبة أمل في القضاء، الأمر الذي دفع بكم إلى تقديم استقالتكم، هل ترون أن تلك الحادثة معزولة ولا تعطي صورة حقيقية عن واقع القضاء حينها؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

أظن أن تلك الحادثة معزولة ولا تمثل واقع القضاء حينذاك، ولكن طبيعة الملف وتعقيداته أعطت الأرجحية للسياسة ومصلحة البلاد على حساب القانون.


سؤال: معالي الوزير شغلتم عدة وظائف من بينها وزيرا للتعليم والوظيفة العمومية، لذا لا شك أنكم تدركون ما لهذين القطاعين من أهمية، حيث يقاس مدى تقدم الدول بمستوى تعليمها، فبم تفسرون حالة التعليم الآن، وما هو تقييمكم لقطاع الوظيفة العمومية الذي لا يتجاوز عدد العاملين فيه - حسب بعض الإحصائيات - 30 ألفا في بلد تعداد سكانه يناهز ثلاثة ملايين نسمة؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

أولا عليك أن لا تنقص عدد سكان البلاد حيث الرقم المقدر يتجاوز أربعة ملايين.. أما بالنسبة للتعليم فإنني أشاطرك الرأي بخصوص أهميته والعمل على إصلاحه فهو قطاع ضرورى وأساسي ولا بد من العناية به ورعايته حتى يصل إلى ما يصبو إليه.


سؤال: معالي الوزير، تعلمون كما يعلم غيركم الفشل الذي أصاب جميع إصلاحات التعليم منذ الاستقلال، فماذا تقولون بخصوص هذا الموضوع؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

من المؤكد أن الكل أجمع على فشل تلك الإصلاحات، لذا هناك أمل في عقد أيام تشاورية لإصلاح هذا القطاع، وكلما أنصح به هو أن أي إصلاح يجب أن يقوم على أسس صلبة تراعي الوحدة الوطنية والمصلحة العامة، ويكون منفتحا، سواء كان عربيا، فرنسيا مزدوجا، المهم أن يقوم على أساس مصلحة وخدمة البلاد.. صحيح أن اللغة العربية مهمة وهي لغة هذا البلد الرسمية ويجب على الجميع معرفتها، سمعت أن هناك البعض يعلم أبناءه اللغة الفرنسية والبعض يرى أن اللغة العربية هي ما يجب أن يتعلمه الجميع، المهم أن إصلاح التعليم يجب أن يراعي تلك الجوانب وأن يشمل المدارس الحرة ويراقب عليها، فانتشارها دليل على ضعف التعليم الرسمي.





سؤال: معالي الوزير طرحت عليكم في سؤال ماض مسألة التوظيف والتشغيل، حيث ذكرت أن تعداد سكاننا يزيد قليلا عن ثلاثة ملايين نسمة ورغم ذلك لا يتجاوز عدد موظفي قطاعه العمومي 30 ألفا، كيف تنظرون إلى طريقة الاكتتاب في هذا القطاع وما هو تقييمكم لواقعه؟

اليسع ولد أسويد أحمد:

لن أجيب على موضوع لا أعرفه وليس في مجال اختصاصي، فأنا مختص في مجال القضاء ولا أعرف غيره، للإجابة على سؤالكم المتعلق بالنسب نحتاج إلى دراسة متخصصة لا أمتلكها.

///////////

نبذة عن حياة اليسع ولد أسويد أحمد

ولد السيد اليسع ولد محمد ولد أسويد أحمد سنة 1939 بمدينة تجكجة، وقد يكون قبل ذلك بسنة أو سنتين.
• الدارسة:
درس بمدنية لكوارب (روصو) سنة 1948 ومن ثم "افيدرب" وتخرج منها بشاهدة الباكلوريا. بعد ذلك مباشرة مارس مهنة التعليم لمدة سنتين، كما فعل معظم المتعلمين الموريتانيين آنذاك، ثم عمل كمراقب في نفس المدرسة التي تكوّن بها وذلك سنة 1958 – 1959، كما درس كمعلم بمدرسة "دابر".
وفي سنة 1961 نجح في مسابقة للإداريين في معهد الدراسات العليا لمستعمرات ما وراء البحار بفرنسا، لكنه لمّا وصل إلى مكان الدراسة جاءت تعليمات بتحويل التكوين إلى القضاء، فرفض فى البداية. ويقول اليسع حول ذلك الموضوع: "لما جاءت تلك التعليمات، رفضت الانصياع لها لأسباب اجتماعية، إذ لم أكن أفهم لذات الأسباب الاجتماعية كيف يمكن لي أن أكون قاضيا، وقد استمريت في الرفض، وأبلغت بذلك السفير الموريتاني في باريس، وأظن أنه السيد تورى آمدو، وهو أول سفير لبلادنا في فرنسا حيث قدمت له استقالتي، لأني جئت في الأصل من أجل التكوين الإداري، حيث القيادة والسلطة، وليس من أجل القضاء، وفي أثناء الاستعداد لإجراءات العودة جاء إلى باريس المختار ولد داداه، فأبلغه السفير بقرار الاستقالة فاستدعاني إلى مكتب السفير، وأقنعني بضرورة العودة عن قراري، حيث استمريت في التكوين في مجال القضاء".
تخرج اليسع ولد اسويد أحمد في أول دفعة للقضاء في يوليو 1963 وقد بدأ في ممارسة القضاء رفقة المجموعة التي تخرجت معه والتي توفي آخرها وهو كواد ولد محمد رحمة الله عليه قبل فترة قليلة.
بعد عودته عين مديرا للإدارة القضائية في وزارة العدل ثم أكمل بعد ذلك تكوينه فى تونس حيث أمضى أربع سنوات في كلية الحقوق مع احتفاظه بوظيفته كقاض. تخرج من الجامعة بشهادة ليصانص.
وعند عودته عين نائبا لوكيل الجمهورية، لكنه سرعان ما عين وكيلا للجمهورية.. في تلك الفترة كان مجال اختصاص وكيل الجمهورية يشمل جميع التراب الوطني، حيث لا يوجد سوى محكمة واحدة، وفي نفس السنة عين وكيلا للجمهورية ومدعيا عاما لدى المحكمة العليا في نفس الوقت، وقد استمر في هذا المنصب في الفترة ما بين 1968 إلى 1976.
وتم تعيينه بعد ذلك وزيرا للثقافة، ثم وزيرا للمالية، ووزيرا للتعليم الأساسي، فالوظيفة العمومية، ثم رئيسا للمحكمة العليا خلال الفترة من 1979 إلى 1982 أي حوالي فترة سنتين ونصف.
عين بعد ذلك مستشارا قانونيا لرئيس الوزراء ومن ثم واليا في الحوض الغربي وغورغول، إلى أن تم تعيينه وزيرا للصيد ثم وزيرا للوظيفة العمومية، ومن ثم مراقبا عاما للدولة، فرئيسا لمحكمة الحسابات، حيث كان أول رئيس لها وأشرف على إعداد نصوصها، بعد ذلك تم تعيينه وزيرا للعدل.
آخر تحديث : 04/11/2010 08:55:23

الشعب

آخر عدد : 11554

العملات

21/09/2018 10:13
الشراءالبيع
الدولار35.5435.90
اليورو41.6542.06

مجلة القمة الافريقية

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي