نواكشوط,  20/09/2010
بقلم: الشيخ ولد سيدي عبد الله

...أما المقالة الثانية، فقد اختار لها البيضاوي مثلا عربيا آخر ليكون عنوانا لها وهو : ( أساء سمعا فأساء جابه )، وهو عنوان دال، إذا علمنا أنه كان في هذه المقالة أكثر حدة من سابقتها، ولأن القباج - كما أسلفنا - كان يوقع مقالاته ضد البيضاوي باسم مستعار هو ( ابن عباد ) فإن صاحبنا تحداه قائلا : " لو كنت كما تقول لكشفت عن اسمك، لأن الإنسان لا يستتر إلا إذا كان على غير ثقة بنفسه وبعلمه وبأدبه" .
وقد افتتح البيضاوي مقالته هذه بقوله : إن القباج "لا يعرف من العربية والنقد إلا ما يأكل به خبزه من كوم الأفاضل" .
واختتمها قائلا : "فيا أيها الكاتب المتواري، إن القديم أكثر حسنات من الحديث، وعلمَه أصحُّ من علمه، وأول هذه الأمة أفضل من آخرها، فخذ من الحديث الحسن وذر القبيح، ومنه هذه التوقيعات المستعارة بدعوى التواضع، وصاحب الدعوة والإرشاد لا يختفي، فإن كنت من أهل العلم فعرف بنفسك ليُعرفَ قدرُك ويُعتمدَ ما تكتب، وإلا فلا يمنعَنْكَ الحياء أن تتعلم، فالحياء في هذا الباب مذموم، ولا تُخَلِّ الحجابَ كثيفا، فإننا الآن نكاد نعرفك، فاتق الله في نفسك وإلا كشفنا عن لَبسك، وقد رددنا عليك أولاً بالعلم، وقلنا لك قولاً لينا لعلك تتذكر أو تخشى، فتعودَ على نفس سولت لك وأمرتك بسوء، فتُؤنِّبَها فأبيت، وها نحن ننتظر ما تكتبه على رثاء شوقي من زيغ وتحريف، وهنالك نرجو من الله ألا يعذبك بعذابه، كما نرجو أن يرحمنا وسائر المسلمين برحمته" .
وبالفعل فقد كان البيضاوي عند وعده، ذلك أنه تحدى القباج بقصيدة في رثاء شوقي، سبق وأن اقتطفنا منها أبياتا في بداية العرض، وانتظر أن يرد عليه، لكن القباج، آثر أن يكون ذلك آخر عهد له بجيل البيضاوي برمته، وبداية توجه منه نحو جيل الشباب من أمثال علال الفاسي وعبد السلام العلوي، وقد كتب مبررا هزيمته قائلا : "إن حديث الشيوخ حديث طويل الذيل مديد السيل، قد تنقضي شهور وتمر أعوام دون أن نحيط بهذا الجيش العرمرم من الشعراء الكبار، الذين يزخر بهم المغرب ويزدهي بهم القريض، ومن خير الأدب ونحن نرقب عن كثب فئة جديدة من الشباب، تتطلع لتبوء مقاعد الآداب الرفيعة، أن ندع الشيوخ إلى حين، ونلتفت إلى شعراء الجيل، إذ هم أحق بالعناية وأجدر بالاهتمام، وهم خلف من قبلهم في الحياة، والنشء المقدر فوائد النقد، والمتتبع حركات الإنتاج في المشرق والمغرب، وربما لم يسيئوا الظن بالنقد، بقدر ما انزعج منه شيوخنا، الذين اشتد بهم الغيظ والحنق، وكم سبوا وكم ثلبوا وألبوا ما شاءوا من الأشياع والأنصار، للرد علينا بالحق والباطل، وسيبقى سخطهم مستمراً وحنقهم ممتداً، ونحن في طريقنا نسير لا نهاب الرد، ولا نهتم بسب، إلى أن يريحنا الله من هذا الشعر المبتذل والنظم المرذول، ولا نكتم الحق فانتقادنا على الشيوخ لم يغيرهم عن مجراهم، ولم يحولهم عن اتجاهاتهم المعهودة، وهذا السيد الشنقيطي يعلن في رده أنه لا يتحول عن التقليد، ودون تحويله خرط القتاد، كأن الله جعل له عينيه خلف رأسه ولسانه في قفاه، لا ينظر إلا من وراء، ولا ينطق إلا بكل قديم مهجور ...".
نكتفي بهذا القدر من النقد الذي مارسه محمد البيضاوي الشنقيطي مرغما ، وهو وإن افتقر إلى التضلع في الأسلوب والحجة النقدية المفحمة، فإنه – على الأقل – أعطى صورة عن ما يمكن أن نسميه " النقد اللغوي والبلاغي " والذي طبع وجه الممارسة النقدية عند الشناقطة، سواء منهم المقيمون أو المهاجرون.
إضافة إلى ذلك، يمكننا أن نستشف من هذا الحوار النقدي بين القباج والبيضاوي مسألتين هامتين :
الأولى : أن القباج كان حريصا على التفريق جغرافيا بين البيضاوي وأقرانه من الشعراء المغاربة، بحيث اعتبره ضمنيا مواطنا غير مغربي، وذلك عندما خاطبه بالقول : " ونحن قبل أن نودع الشاعر، ننصح له أن يراعي ذوق العصر، ويحرص على سمعة المغرب الأدبية، من أن يقرأ أدباء مختلف الجهات مثل هذا الضرب من شعر الهذيان والحشو" .
الثانية : أن الصراع الطبقي، الذي كان ماثلا في نقد العقاد لشوقي، هو نفسه المحرك الأول للنقد الموجه إلى البيضاوي، فقد تجاوز العقاد في نقده لشوقي مجرد نخل النصوص، إلى التعرض للحياة الارستقراطية، التي كان يعيشها بفعل علاقته بالقصر الخديوي آنذاك .
أما القباج وطائفته من النقاد، فقد اخذوا على البيضاوي تقربه من السلطة الاستعمارية في المغرب، وتوليه تحرير جريدة الانتداب الفرنسي المسماة " جريدة السعادة " والتي واجهت حربا إعلامية مضادة، فصدرت صحف ورسائل تنتقد خطها العام، وتصف محرريها بالعمالة للأجنبي، خصوصا وأن طاقمها لم يكن مغربيا بامتياز، حيث أسندت رئاسة تحريرها للشامي الماروني وديع كرم، الذي تفنن بأسلوب أدبي راق، في التجاسر على البلاد والعباد، وكان البيضاوي معاونه في التحرير، وقد أثار ذلك نقمة صفوة من النخبة المغربية، التي نعتها وديع كرم بالشقاوة، وبادرت إلى الرد على " جريدة السعادة " بكتابات أهمها جريدة "الطاعون" وهي جريدة مخطوطة أصدرها محمد بن عبد الكبير الكتاني سنة 1907 كما أن تجارا مغاربة مقيمين بالشرق الأقصى (سنغفورة وجاوا) انزعجوا من خطها التحريري فبعثوا في شأنها رسالة إلى المخزن بتاريخ 3 أكتوبر 1910.
هذا – طبعا - بالإضافة إلى العلاقة المتينة، التي كانت تربط البيضاوي بالحاكم الفرنسي العام للمغرب آنذاك الجنرال گونزالف ليوتي Gonzalve Lyautey والذي مدحه شخصيا بأبيات قال فيها :

كان المشير " ليوتي" حازما فطنا
وقائدا غير رعديد ولا وكل
بنى بعهد اضطراب الأمر منفردا
من الحماية سرحا شامخ القلل
وكان للمغرب الأقصى به مقة
سارت بشهرتها الأسلاك في الدول

كل هذه العوامل شكلت مجتمعة سببا من أسباب الهجوم على البيضاوي، وربما أدت كذلك إلى عدم إعطائه ما يستحق من الذكر والدراسة .
وهنا يكمن غرض هذه السلسلة، وهو لفت الانتباه إلى أن الشناقطة في المهجر لم يكونوا مجرد علماء في الشريعة بمختلف فروعها وحسب، وكأنهم كانوا مشتغلين للآخرة وليس لهم حظ من الدنيا وعلومها، فقد بينت البحوث أن الأرشيف الإعلامي في المشرق والمغرب، يضم العديد من الجرائد والمجلات التي كانوا يكتبون بها، والتي مارسوا من خلالها مهنة الصحافة والنقد، وما علينا سوى التعرف على هذه المحفوظات لاستغلالها في إبراز الوجه الثقافي الآخر للشنقيطي المهاجر؟.
إن هؤلاء العظام عندما حرصوا على أن تظل كلمة " شنقيط " لصيقة بأسمائهم، فإنهم بذلك حافظوا على هويتهم، رافضين التنازل عنها تحت أي ظرف، فهل من الوفاء لذكراهم أن نتناساها نحن اليوم، ونهدى الآخرين كنوزهم وهوياتهم على طبق من ذهب ؟.
أعرف أن جوابكم جميعا هو : كلا .. لكن الوفاء يحتاج إلى شجاعة ..فالسلحفاة لا تتقدم إلا عندما ترفع رأسها للأعلى.
بهذا المقال نكون قد خصصنا خمس حلقات للتعريف بالنقد، الذي مارسه محمد البيضاوي الشنقيطي، وهو نقد منشور في أرشيف الصحافة المغربية في الثلاثينات .
وسنبدأ بحول الله في رصد نماذج أخرى من الريادة الشنقيطية المظلومة، وذلك بالكتابة عن أسماء ثقافية أخرى.

بقلم: الشيخ ولد سيدي عبد الله
آخر تحديث : 20/09/2010 09:42:51

الشعب

آخر عدد : 11552

العملات

19/09/2018 10:51
الشراءالبيع
الدولار35.5935.95
اليورو41.5942.00

مجلة القمة الافريقية

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي