نواكشوط,  22/08/2010
إذا كان الشعر خلال فترة البيضاوي ، يخضع لخاصية التأثر بالبناء التراثي القديم ، فان النقد الموجه إليه والى الشعراء من جيله كان هو الآخر، " متأثرا بالحركة النقدية الجديدة في المشرق يومئذ ، وقد انصب ذلك النقد بصفة خاصة على بعض قصائد ه هو لأنه كان أكثر شعراء منطقته تواصلا واحتكاكا ببقية أدباء المغرب " .
وهكذا تصدى محمد ابن العباس القباج في فترة الثلاثينيات " لأربعة شعراء كانوا في الطليعة آنذاك وهم : الشاعر عبد الله القباج الذي كان يلقب بالشاعر المطبوع والشاعر العباس الشرفي والشاعر المؤرخ عبد الرحمان بن زيدان صاحب تاريخ مكناس ( الإتحاف ) والرابع هو الشاعر محمد البيضاوي الشنقيطي" .
وهكذا انبرى القباج في تدبيج المقالات النقدية ضد البيضاوي وشعره ، وكان ذلك في احد أعداد مجلة " المغرب " الصادرة في نوفمبر من عام 1934 وقد وجد مقصده في مجموعة من نصوصه الشعرية أهمها قصيدته التي هنا فيها السلطان ابن يوسف بعيد المولد والتي يقول فيها :

آه له من عميـــد طالمــــا صبــــــــــــــرا
جمر الغضا في حشاه يرتمي شررا
إذا تــــــألق بـــــرق مـن بشائــــــره
جــــــــــاءت زعازعـه تزجــي لــــه كــــــدرا

إلى أن يقول:

وقلت هذا الهوى الممقوت ضيعنــي
أمــا الرجيم فلا تسأله كيف جـــــــرى
والنفــس تأمرني واللهــو يبطرنـــــــــي
والشيـب ينذرنـي يا رب أنـت تـــــرى
لمــا أحــــــــل برأسـي قـلت مـزدريـــــــــــا
الشيب في الرأس لا يستلزم الكبــــــرا
فانحـــط في عارضي يمشي إلى ذقني
وإن فــــي اللحيـة الشمطـاء لي نـــــذرا
وقد أفرد القباج لهذه القصيدة مقالة ، أخذ فيها على البيضاوي انه "يمهد بالنسيب فأخـذ من القصيدة ثلثها ليتخلـص للموضوع المقصود. وقد نفر الناس من هذه العادة وسئموا متابعتها، وصارت منبوذة لأنها لا تفصح عن عاطفة صادقة ولا تترجم عن إحساس شريف. وفي الشرق اليوم أدباء يحاربون هذا الأدب المائع المخدر للأعصاب والقاتل للشعور. ونحن أشد ما نكون حاجة إلى الشعر المؤثر في النفوس والحافز للهمم الخالي من الكلفة والصناعة (...) شاعرنا المثقف وهو ابن القرن العشرين لا يزال يحن ويئن ومضى يشكو التصبر حتى كاد يقتله ، فاسألوا عنه النجوم والليل واسألوا المهللين والسحرة فان كبده انشقت وانفطرت وكادت تذوب، وأين ينتهي من مر الشكوى وحر اللوعة يتخلص ببيت لا صلة له مع ما قبله ، ولا يمت إليه بسبب وهناك تقف بك الكلفة الواضحة متأملا في الخلط والخبط كيف يكونان، وما موجب التشبيب ؟ أليس سوى عقم الفكر ونضوب القريحة وعجزها عن الخلق والابتكار وإيجاد المعنى الدقيق ؟ أما إن كان صادقا في تشبيبه فاني أتوجع له وارثي لصبوته بعد الخمسين أو تزيد وأعيذه من الهيام ، والشيب وخط لحيته والشيخوخة أوشكت أن تأخذ منه مأخذها وتفعل فيه فعلها كما شهد على نفسه ".
ثم زاد على ذلك أن أخذ عليه قوله : ( لما احل براسي قلت مزدريا ) وادعى القباج أن استعمال فعل ( احل ) ليس واردا ، لان "أحل – في نظره - معناها وجب أو خرج. ولعلها سبق قلم لو يسمح بذلك الوزن البسيط. ولو قال ألمَّ لاستقام له الوزن والمعنى" .
ثم تصدى لقصيدة البيضاوي الأخرى التي وصف فيها مكناس ومنها قوله :
للــه للــه مــــــــا أبهـــــاك مـكنــــــــــــاس
أرض هي الأرض بل ناس هم النــــــــــاس
بهــــا القصــــور وأســــوار مشيـــــــــــدة
كالــراسيـات وأبـــــــراج وأقـــــواس
تجسم الفخر في تلك المعاقل والجـ
لاَلُ والعَــــزْمُ والسلطـــــانُ والبــاس
وماؤهــــا السلسبيــل العــذب بَاكَرَهُ
ريــــحٌ هو المسـك أنفـاس فأنفــاس
وهنا وجد القباج طريقا آخر ينفذ منه إلى صاحبنا يذكر بأسلوب العقاد في نقد شوقي ، فقال : "هكذا شاء أن يصف بلدة كمكناس جمعت من المآثر التاريخية ما يحرك الفكر، وفيها من بدائع الزخرفة ومعجزات الفن ما يدعو الشاعر للقول، ويوحي إليه من دقة التصوير آيات، ويفيض عليه من البيان والخيال معجزات. ولكنه لم يوفق ويظهر أنه لم يقل شيئا ولم يزد على أن أرضها هي الأرض وناسها هم الناس وفيها القصور والأسوار كالرَّاسيات وماؤها عذب كالسلسبيل ، أي شعر هذا مع الإقواء الظاهر في القافية الأخيرة ، وأي وصف لو أردنا أن نقيسه بالوصف الشعري الذي يعرفه حتى تلاميذ المدارس ويستظهرونه من محفوظاتهم ولا يزيد هذا ولا يفضل عن شعر صاحب البيت :

الليل ليل والنهار نهار
والأرض فيها الماء والأشجار"

وقد اتخذ القباج من تشطير لهذه الأبيات قام به صديق للبيضاوي هو ( الشاعر المطبوع ) سببا آخر للهجوم عليه فقال: "حقا أنه لوصف سطحي، وذوق الشاعرين واحد، والصلة بينهما معروفة كونها البيئة والوسط ووحدة الاتجاه في الشاعرية والتفكير، وأبيات شاعرنا الشنقيطي كأطلال خربة متهدمة فجاء التشطير كترميم لها، ولكن الترميم لم يكن سوى حجارة وطوب وأكداس من التراب. فهي كما يقول الشاعر خلو من الجمال براء أو إن شئت سمها بالمثل الدارج المشهور: خبز وزيتون ومغفرة".
وفي ختام مقالته هذه لا ينسى القباج أن يلبس جلباب العصبية القطرية ويأخذ على البيضاوي استخفافه بذوق المتلقي المغربي قائلا : " ونحن قبل أن نودع الشاعر ننصح له أن يراعي ذوق العصر ويحرص على سمعة المغرب الأدبية من أن يقرا أدباء مختلف الجهات مثل هذا الضرب من شعر الهذيان والحشو ، وقبل أن يخرج قصيدته للطبع والنشر يجب أن يذكر ما ستحدثه في الأجواء الأدبية ويكون لها من اثر والشعر بمثابة شاهد على ما وصل إليه القطر من رقي وتهذيب أو عبث وسخف ، ونحن نبرا إلى الله من العبث ونعيذ الشعر و الشعراء من الفهاهة والهذيان ولغو القول " .
هذه إذن بعض النماذج من نقد القباج لمحمد البيضاوي الشنقيطي، وهو نقد موجه من خلاله لطائفة من الشعراء الإحيائيين عاصروه ولكنه كان الأشهر من بينهم ، ومن ثم كان القباج وأقرانه من دعاة التجديد يوجهون الشعراء إلى وسائل قد تقربهم من روح العصر أكثر ، ومن ذلك قوله مخاطبا البيضاوي : " ولو أن شاعرنا صرف جانباً من وقته في المطالعة والاستفادة وتتبع النهضة الشرقية لانتفع به الأدب".


يتواصل
آخر تحديث : 22/08/2010 11:16:22

الشعب

آخر عدد : 11551

العملات

18/09/2018 11:49
الشراءالبيع
الدولار35.5935.95
اليورو41.5141.92

مجلة القمة الافريقية

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي