لمغيطي:,  22/06/2010
الرحلة إلى "لمغيطي" هي بالنسبة لكثيرين تثير الرهبة في النفس، فالمكان مرتبط في الذهنية الجمعية بحدث مؤلم ومخيف، لم تفلح الأيام بعد في مسح دمويته من أذهان الموريتانيين البسطاء أمثالي..
وحين أخبرني الصديق النقيب سيدي محمد ولد حديد بأن "مهمة الشمال" التي سأشارك فيها ستشمل منطقة لمغيطي، خامرني شعور مزدوج ب"الرهبة" و"الرغبة" تهيب الإنسان داخلي، لكن طبيعة الصحفي المستطلعة قضت على ذلك التهيب، فبدأت استعدادي لرحلة تصورت أنها قد تكون مختلفة عن رحلات كثيرة..
ملامح الرحلة هذه تبدت قبل أن نغادر انواكشوط من خلال التوصيات التي قدمتها مديرية الاتصال بقيادة الأركان، والتي قضت بالتحلي بالانضباط والتقيد بالتعليمات من أجل السلامة، لكن "تعليمات السلامة" تلك كانت أشبه بالتعليمات التي يتلقاها ركاب الطائرة من الطاقم، لا تلبث أن تغادر أذهانهم حين تصل الطائرة إلى مستوى الارتفاع المطلوب..
المغادرة كانت مبكرة، فاضطرتني لإنهاء صلاة الصبح في وقت قياسي، على غير العادة، وإكمال "التعاويذ" داخل السيارة، في وضع نفسي يمكن وصفه بالمضطرب..
على الطريق الرابط بين انواكشوط وأكجوجت، عاد الاسترخاء تدريجيا إلى نفوس "المرتحلين" فانعكس ذلك على أجواء الرحلة أثناء توقف القافلة في مدينة أكجوجت.
في منطقة وسطى بين أكجوجت وأطار، وتحديدا عند تجمع (يغرف)انحرفت القافلة يسار الطريق المعبد فيما يشبه الإحماء قبل المباراة..
وبدا واضحا من هذا "الإحماء" أن اليد العليا في الرحلة ستكون للقادرين على قهر الطبيعة وأن مفاتيحها هي "الإرادة" و "التحمل" و"الصبر" و"التصميم".
مهامه الجغرافيا لا تمهلك حتى تصل أرض تيرس، وإنما تتلقفك من أول لحظة تترك فيها الطريق المعبد عند يغرف، فتنبسط الأرض أمامك، ويبدأ العراك بين عجلات السيارة و"الأمعز الصوان" فيتطاير "مقدحا" وربما "مفللا" في مشهد يعود بك إلى عصر الشنفرى والصعاليك النبلاء، فتنصف قدماء الشعراء الموريتانيين وتسقط مرغما تهمة التقليد الأعمى عن كثيرين منهم.
ولئلا تتصور أن ذلك وحده هو ما خبأته لك "جغرافيا" المنطقة، يستقبلك "وادي الكبش" برماله المتلهفة لابتلاع كل كائن غريب، فتبدأ معركة أخرى بين الرمال وبين السائقين، ترتفع فيها أصوات محركات رباعيات دفع يابانية صنعت أصلا لمواجهة صحارى الجزيرة العربية، فاستقدمها الموريتانيون، تماما، كما استقدم أسلافهم شعر أهل الجزيرة وقيمهم ومثلهم.
سلسلة هضاب آدرار المطلة بكبرياء من الشرق، والنتوءات الصخرية المنغرسة في الكثبان البيضاء، والأرض المنبسطة المفتوحة على المجهول، تفرض "هدوءا موحشا" لا يقطعه سوى ذود إبل "هائم على هدى" أو سيارة عابرة للصحارى، تطالعك بين الفينة والأخرى، لتؤكد أن تحالف العقلية اليابانية ورجال الصحراء لم يترك مكانا بكرا على هذه الأرض، وأن قهر الطبيعة –وإن قست- شيمة موريتانية بامتياز.
انتهت مرحلة الإحماء بين يغرف وشوم، وأزاح الشمال الغطاء عن "معالمه الاقتصادية" فانحازت القافلة مرغمة إلى "السكة" وتراءى قطار المعدن يتهادى في رحلته التي لا تنتهي إلا لتبدأ.
بين شوم و ازويرات، تتنفس الأرض الحديد وتشكل سكته "الحبل السري" لساكنة المنطقة..
هذه الرقعة البالغة حوالي 200 كم يذكرك كل مشهد فيها بأنك سائر على "أرض الحديد" السكة والقطار، وأعمدة الكهرباء، و"التجاعيد" البادية على وجه الأرض بفعل حركة الآليات الثقيلة، والأخاديد المحفورة على الهضاب لانتزاع ما فيها من كنوز ..
تجاعيد الأرض في هذه المنطقة، فرضت تمرينا صعبا على عضلات السائقين، أنهاه شريط من الإسفلت قرب قرية اتواجيل لا يتجاوز طوله 12 كم، كأنما هو "بصقة أعمى" أو جرة قلم بيد طفل طائش..
وصلنا برفقة المساء إلى "عاصمة الحديد والملح" ازويرات، وبعد "استراحة محارب" لم تدم ليلة كاملة، غادرنا في اتجاه "بلد آمن" اسمه (لمغيطي) ليبدأ فصل آخر من "رحلة في مهامه الجغرافيا ومطبات التاريخ".

------------------------------------------------

عندما يرتفع الأذان في لمغيطي
في الهزيع الأخير من الليل يخترق هدوء الصحراء صوت أذان يتلوه أذان آخر فثالث وربما رابع.
ينطلق صوت المؤذنين من التحصينات العسكرية المتناثرة على المرتفع الصخري المطل بانحناء على قبر جماعي لسبعة عشر جنديا موريتانيا اغتالتهم جماعات بحجة "الجهاد في سبيل الله والنيل من جيش الردة والكفر".
المشاهد القائمة الآن وتلك التي كانت موجودة يوم ذاك، تنسف ذلك الادعاء من أساسه، فأسماء المدفونين تبدأ بمحمد وتنتهي بعبد الله، والمسجد الذي كان هؤلاء الجنود يرتادونه يصلون فيه ويسبحون ويذكرون الله قياما وقعودا ما يزال قائما حتى اليوم.
صخوره المتلاصقة لم تشأ أن تتهدم، رغم أن الفعل الذي شهدته تتفطر له الجبال، وبقيت متماسكة ربما لتقيم الحجة على أولئك.
الرابع من يونيو سنة 2005 كان يوما له ما بعده في تاريخنا الحديث، ضباط وجنود مرابطون في نقطة نائية ومعزولة، همهم الأول والأخير تقديم المساعدة والعون لعابري السبيل وتأمين ثغر من ثغور بلد مسلم وتأمين مواطنين يشهدون بأن الله رب واحد وأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين..
يقيمون الصلاة، ويغيثون الملهوف، ويؤمنون الخائف، ويعرفون أن "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".
ولو امتثل "المجاهدون" تعليمات رسول الله صلى عليه وسلم، وانتظروا الهزيع الأخير من الليل، لأدركوا أن "العنوان غلط" وأن الإسلام براء من هذه الأفعال..

آخر تحديث : 22/06/2010 13:27:16

الشعب

آخر عدد : 11552

العملات

19/09/2018 10:51
الشراءالبيع
الدولار35.5935.95
اليورو41.5942.00

مجلة القمة الافريقية

افتتاحيات

بمناسبة القمة ال31 للاتحاد الافريقي كتبت الوكالة الموريتانية للإنباء تحت عنوان: قمة التتويج وتعزيز الشراكة
" مرة أخرى يثبت فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، من خلال احتضان نواكشوط هذه الأيام للقمة

معرض الصور

1
انطلاق اجتماعات الدورة ال 36 للجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الافريقي